الخميس، 22 سبتمبر 2011

حكاية الولد الفلسطينيّ (6/6)


     ( 35 )
     جمعت المعلومات التي أفاد بها الطيّارة في مدّة أربعة أشهر، فأوصل تحليلها وتركيبها إلى وجود خليّة فدائيّة كبيرة مسئولة عن اغتيال الضابط سلمون، وظلّ مكان وجودها عصيّا على الطيّارة برغم الأموال الكثيرة التي أخذها، وأحسّ الطيّارة بقرب نفاد صبر صاحب المطعم، فأخبره بمكان يمكن أن يجتمع فيه بعض أفراد الخليّة، ووعده باجتماع كبير لهم خلال أسبوعين يناقشون فيه بعض القضايا حول العمل وتنظيمه، ففرح أبو سرور وكتب (شيكا) للطيّارة بمبلغ يساوي كلّ ما دفعه من قبل مكافأة له، وقال:
-       اسمعني يا حسن، أنت الآن تخدم سلمون جيّدا.
-       هذا ما اتّفقنا عليه يا سيّدي.
-       نعم، ولكن لا بدّ أن تعرف أنّ ’’المخابرات‘‘ راضية عنك!
-       أيّة مخابرات يا سيّدي؟
-       ’’مخابرات دولة إسرائيل‘‘ يا حسن!
-       وما دخلي بالدولة والمخابرات؟
-       كيف حسن؟ ألا تعرف أنّك تساعدنا في كشف قتلة سلمون؟
-       أعرف، وسأجتهد في معرفة مكانهم في المرّة القادمة.
-   هذا هو المطلوب، واعرف أنّ المعلومات كانت تذهب لرجال المخابرات أوّلا بأوّل، وهم يشكرونك على مساعدتك لهم.
-       ولكن أنا أساعدك أنت يا سيّدي.
-       وأنا وأنت نساعد الدولة!
-       كيف، وقد اتّفقنا؟
-       المصلحة أهمّ يا حسن!
-       مصلحة من؟
-       مصلحة ’’دولة إسرائيل‘‘!
-       لكنّي لست جاسوسا للدولة!
-       حسن، أنت تتعاون معنا فقط، لا تفكّر بالجاسوسيّة.
-       لا أريد هذا العمل من اليوم.
-       إذن هات (الشيك)!
-       لا، هذا حقّي!
-       هذا حقّ المعلومات التي ساعدتنا بها!
-       أنت خدعتني وكذبت عليّ.
-       لا تأخذ الأمر بحدّة، نحن ندفع لك.
-       لقد ورّطني في العمل معكم، أنا أرفض...
-       لا تستطيع أن ترفض يا حسن.
-       ولماذا؟ أنا حرّ.
-       لست حرّا، واعلم أنّ كلّ لقاءاتنا كانت مسجّلة ومصوّرة!
     

     بكى الطيّارة بمرارة عندما سمع العبارة الأخيرة، وظهرت علامات الخوف على وجهه وبدأ يرتجف، وظنّ الضابط أبو سرور أنّه فاز "بالضربة القاضية"، فضحك من بكائه واقترب منه محاولا تهدئته، ولكن بكاء الطيّارة كان صادقا ومريرا فلم يهدأ بسرعة، لقد بكى على كلّ من سقط أو سيسقط في مستنقع العمالة لليهود، فربت الرجل على كتفه وعرض عليه التفاهم، فانصاع الطيّارة وأظهر الخوف من افتضاح أمره، فطمأنه اليهوديّ إلى سرّيّته في العمل، فهو واع وحذر ولا يبدي ما ينمّ عن عمله معهم، وعرّفه أنّ له الحريّة في عدم التعاون بعد القبض على قتلة سلمون، ولكنّه أكّد له أنّه لن يترك معاونتهم ولن يفكّر في تركهم أبدا!
     

     كانت أساليب اليهود في توريط العملاء متعدّدة، منها ما رأيناه مع الطيّارة، ومنها أسلوب الإرهاب والتخويف والتهديد بالسجن، ومنها استغلال حبّ الشابّ للمال أو النساء، ومنها أسلوب استعمال صور فاضحة ’’مركّبة‘‘ لواحدة من قريبات الشخص المراد تجنيده، ومنها أسلوب أكثر قذارة استعملوه مع شاب اكتشف رجال المقاومة أمره، ولمّا قبض عليه اعترف بما كان من أمره، حيث أغرته فتاة تعمل مع المخابرات وأوقعته في حبائلها وحبائل الشيطان، وقد صوّرهما أبوها وهما في غرفة النوم والشيطان ثالثهما، ومن ثمّ هدّده اليهود بإعلان صوره على الناس، فاستسلم لهم ونفّذ ما رسموا له، وأصبح عميلا شديد الخطر على أبناء شعبه، وكان يتنقّل وزوجته اليهوديّة بين السعوديّة وسوريا ولبنان ومصر، وقد وشى بعدد كبير من الفلسطينيّين لليهود، كما أسقط عددا آخر في مستنقع العمالة بإغرائهم بالجنس والمال تساعده زوجته، ومع كلّ خدماته لم يأمن اليهود جانبه ولم يثقوا به، فزرعوا في ضرسه جهاز إرسال في غاية الدقّة ليعرفوا كلّ ما ينطق به لسانه.
     

     وصار اليهود فيما بعد يساومون الشباب على ’’البطاقة الممغنطة‘‘، ويسمّيها الشباب: "الكرت الممغنط"، فقد أصبح العمل في الأرض المحتلّة مقيّدا بشروط كثيرة، وكانت "البطاقة الممغنطة" مطمعا للشابّ الذي يحتاج العمل، فهي مفتاح الدخول من بوّابات معبر بيت حانون (إيرز) للعمل والحصول على لقمة الخبز، وصار الناس يهنّئون صاحب الحظّ الذي يحص على "الممغنط"! فأخذ اليهود يساومون الشباب على هذه البطاقة لإسقاطهم وضمّهم إلى قائمة العملاء الذين فقدوا ضميرهم.

     ( 36 )
     قال الراوي:
     كان رفاق الطيّارة ينتظرون عزم اليهود على القبض على أفراد الخليّة "المزعومة"، فاستعدّوا لذلك منذ بدأ عمل الطيّارة مع صاحب المطعم، وكان "س" –وهو رجل من الجنوب- قد اشترى بيتا في طرف المعسكر لهذه المهمّة، وكان البيت يطلّ على شارع اعتادت الدوريّات السير فيه، وعلى شارع آخر أرادوا أن يجعلوا فيه فخّا لليهود عند تنفيذهم العمليّة، وكان البيت على درجة عالية من التجهيز والمراقبة، وقد جعلوا له نفقا يوصل إلى دكّان مهجورة في الجهة المقابلة من الشارع الثاني، وصدرت الأوامر للمدافعين عن البيت بعدم ترك مواقعهم قبل القضاء على مجموعة اليهود المهاجمين.
     

     منع الجيش التجوّل في مخيّم بعيد عن مكان البيت، في حيلة معروفة لتقليل عدد المراقبين إن وجدوا، وفي الوقت نفسه كانت الدوريّات الراجلة تتّجه إلى مكان البيت، وكان التنسيق أنّ يتقابل أفراد الدوريّات مع العربات التي ستأتي، فيحاصر الجميع البيت وينتظرون التعزيزات والمجنزرات الموجودة بالقرب من المكان، وبالمقابل كانت خطّة المجاهدين -بعد أن أكملوا تجهيز البيت- اقتناص أكبر عدد من الجنود قبل البدء في الهجوم، فنصبوا عددا من الكمائن قرب البيت وفي الشوارع المحيطة به، وتمّ ذلك بصورة سرّيّة قبل تفكير اليهود بهذه العمليّة بأيّام، وعندما فرض اليهود منع التجوّل في المعسكر يوم العمليّة زرع المقاتلون لغمين تحسّبا في مكانين قدّروا أن تمرّ بهما المجنزرات التي ستأتي للمساندة.
     

     عند حظر التجوّل في المخيّم البعيد أراد بعض الرفاق الذهاب لمساعدة الناس هناك، فذكّرهم أصحابهم بصرامة الأوامر و"بيوم الحاكورة"، حيث منع الجيش التجوّل في مكان وهاجم مكانا آخر، فثبت الجميع في أماكنهم وقد تذكّروا "طوق الفالوجا"، ووصل جنود الدوريّات وجاءت عربات "الجيب والبوَر" من كلا الشارعين، وقبل أن يبدأ الجيش بإعلان الحصار وطلب التسليم كانت الطلقات المنفردة تقتنص الجنود، فدبّ الذعر في اليهود الذين أخذوا على غرّة منهم، فهاجموا البيت وردّ عليهم المدافعون المتحصّنون ونالوا منهم، فتراجع اليهود لإعادة الكرّة بعد وصول المجنزرات، ولكنّها لم تصل لانفجار أحد اللغمين في واحدة منها فانقلبت فسدّت الشارع في وجه المجنزرات الأخرى، أمّا في الشارع الآخر فقد هاجم المجاهدون المجنزرات بالقنابل والزجاجات الحارقة واشتبكوا مع من فيها.
     

     كان المقاتلون في البيت ينتظرون الهجوم الثاني بصبر وثبات، ولم يطل انتظارهم، فقد جاء الخبر للجنود المحاصرين بأنّ المجنزرات لا تستطيع تقديم المساندة لهم، فهاجموا البيت تاركين عرباتهم بغير حراسة، وفوجئوا باحتراق عربتين بالقنابل وأسقط في أيديهم، وقتل المجاهدون عددا منهم، ولم ينقذ الباقين من الموت إلاّ طائرة هليوكبتر جاءت للمساعدة، وعندها ترك المجاهدون المكان وغادروا البيت مكتفين بما قدّموا في هذا اليوم المجيد من أيّام معسكر جباليا الكثيرة، ودمّر قائد الطائرة البيت وهو يظنّ أنّ الفدائيّين فيه، وغطّت الحجارة والركام مدخل النفق، وأتاح هذا للمجاهدين وقتا طيّبا لإخفاء أثرهم والابتعاد عن المكان، وبحث الجنود عن القتلى في البيت دون فائدة، وفرضوا منع التجوّل أسبوعا كاملا لإتمام البحث عن المقاتلين.
     

      اعترف اليهود بإصابة جنديين إثر انفجار لغم في عربة مجنزرة على الطريق إلى جباليا، وأخفيت الحقيقة التي عرفها أهل المعسكر وانتشرت قبل انسحاب الجيش، فقد تمكّن المجاهدون من قنص خمسة جنود قبل الهجوم الأوّل، وظلّ القتلى في العربات حيث رآهم الذين أحرقوا العربتين خلال الهجوم الثاني، وقتل في الهجومين أكثر من سبعة جنود، كما قتل ضابطان اثنان كان أحدهما هو ’’القائد الأوّل‘‘ للعمليّة، ويضاف إلى هذا خسائرهم في المجنزرات، ولكنّ اليهود لم يكونوا ليعترفوا بهذا العدد حتّى لا ينخذل جيشهم.
     

     كانت العادة أن يعطى بعض الجنود الذين يشاركون في مثل هذه العمليّة الخاسرة إجازة للاستراحة في المهاجع والثكنات، ومن كان لهم أهل –وهم قليل- كانوا يذهبون إلى بيوتهم وأهلهم في إجازات طويلة حتّى ينسوا آلام المعارك التي خسروا فيها، وأمّا من يقتل فإنّهم كانوا يضعونه في الثلاّجة ليموت بعد أسابيع في تدريب أو في  ’’حادث سير‘‘، وما كان أكثر حوادث السير عند اليهود! مع أنّ طرقهم واسعة ومريحة، وهم يحرصون على تطبيق قواعد السلامة المروريّة ويتشدّدون في ذلك! وكانت الجثث تسلّم في ’’توابيت مغلقة‘‘ إلى أهلها ليقوموا بدفنها، أمّا أبناء ’’الكيبوتسات‘‘ فلا أحد يسمع عنهم شيئا، فليس هناك من يسأل عنهم أو يفتقدهم، وهم يدفنون بمعرفة الحكومة وإشرافها.
     

     كانت التوابيت لا تفتح بأمر الحاخامات اليهود المتواطئين مع الجيش، وهكذا كان الأهالي يدفنون موتاهم وهم لا يعرفون كيف ماتوا، ويرضون بالإيضاح الذي ترفقه الحكومة مع التابوت، وظلّ هذا الأمر إلى أن كان اجتياح ’’جنين‘‘ بالضفّة الغربيّة، وكانت المعارك الضارية، حيث قتل المجاهدون كثيرا من الجنود والضبّاط الصهاينة، وحدث أن أرسلت قيادة الجيش جثّة أحد الضبّاط في تابوت إلى زوجته مع إيضاح يقول: توفّي الكولونيل صباح اليوم في حادث سير على الطريق، والقيادة تأسف لهذا الحادث، وصدّقت الزوجة الخبر دون أن تفكّر به، ثمّ قامت بدفن الجثّة وهي مطمئنّة إلى صدق الجيش والحكومة!
     

     بعد يومين أو ثلاثة من إنهاء اجتياح جنين أحبّ قائد العمليّة أن يواسي هذه الزوجة، ويعرّفها بشجاعة زوجها الذي كان يعمل معه في وحدة القنّاصة، وأنّ لها أن تفخر بما قدّم في جنين، ومدحه لأنّه قتل في معركة شرسة مع الفلسطينيّين، واستوضحت المرأة عمّا إذا كان هذا في الاجتياح القريب، فأجابها بالإيجاب، وقال إنّه واجه ثلاثة مقاتلين بمفرده، ولكن أحدهم استطاع أن يصيبه برصاصة قاتلة في رأسه، واستغربت الزوجة كلام الضابط صديق زوجها عن مقتله، وأخبرته أن الرسالة المرفقة مع التابوت تقول إنّ زوجها قضى في حادث سير، ولم يرق هذا الكلام للضابط فأكّد لها أن زوجها كان معه في المعركة وأنّه قتل في جنين أمام عينه، وأنّه جاء ليطمئنها أنّ زوجها قاتل ومات بشجاعة، وبعد جدال أقسم لها الضابط على صدق ما يقول.
     

     ذهبت المرأة إلى أحد المحامين وحكت له القصّة كاملة، وشهد الضابط أمام المحامي بما كان، وقال إنّه متأكّد من كلامه مائة في المائة، وأعلن استعداده للشهادة أمام المحكمة إذا طلبت منه، وقدّم المحامي باسم المرأة شكوى ضدّ الجيش الحكومة، واستصدر أمرا من المحكمة بفتح قبر الزوج القتيل، وكانت مفاجأة للزوجة عندما رأت مكان الرصاصة في رأس زوجها "الذي قتل في حادث سير"، وكانت فضيحة للجيش وللحكومة الصهيونيّة التي تكذب على أهل جنودها، وكسبت الزوجة القضيّة ضدّ الحكومة لأنّها حكومة ديمقراطيّة!

     ( 37 )
     قال الراوي:
     أشيع أنّ "س" الذي اشترى البيت جاء من ’’منطقة رفح‘‘ في أقصى جنوب قطاع غزّة، وقد اشتراه للشباب لكي يجعلوا منه فخّا لليهود بمساعدة الطيّارة وصديقه البائع، وتمّ اختيار موقع البيت بتأنّ وتفكير، وكان على الرجل أن يقول: "إنّه يريد أن يسكن جباليا بسبب قربها من عمله، لأنّ رفح بعيدة ومشاكل الطرق كثيرة، ومنع التجوّل يؤخّره كثيرا"، وكان يأتي كلّ أسبوع ليضع في البيت خزانة أو سريرا أو بعض الكراسيّ والأثاث، وفي كلّ مرّة كان يجلب إلى البيت ما يساعد الشباب في مهمّتهم القادمة، فقد جاء بالرشاشات في الخزانة، كما جاء بكميّة كبيرة من الذخيرة في السرير، واعتاد أن يمكث في البيت مع العمّال الذين يأتي بهم من عصر الجمعة حتّى عصر السبت، وكان إذا خرج لشراء شيء من البقّالة يحدّث صاحبها والجيران -وهو يضحك- بخبر امرأته "التي ولدت يوم اشترى البيت" وكأنّها تعانده أو أنّها لا تريد أن تسكن في جباليا!
     

     طلب "س" من صاحب البقّالة أن يراعي البيت بنظره، وقد صنع الرجل هذا المعروف، فانتبه للبيت من عبث الأولاد، ولم يغفل المجاهدون عن حراسة البيت لحظة واحدة، وكانوا يتناوبون على الحراسة ليلا ونهارا، دون أن يلفتوا إليهم الأنظار، وكان صاحب البيت وعمّاله يأتون كلّ أسبوع يعملون في البيت ويقومون بترميم الجدران، ويغيّرون "القرميد" المكسور في السقف، وقد بنوا مطبخا اشترى حجارته والإسمنت من مصنع (البلوك) القريب، ومع هذه الأعمال كانوا يحصّنون البيت، فأغلقوا النوافذ بالحجارة من الداخل، وعملوا عدّه فتحات في الجدران تساعدهم في اقتناص الجنود اليهود، كما حفروا بئرا للمياه العادمة ليتمكّنوا من حفر النفق الذي استخدموه للانسحاب، وهكذا رتّب المقاتلون أمورهم استعدادا لليوم الذي عشنا أحداثه قبل قليل. 
     

     عند عمليّة الحصار كمن الطيّارة وصديقه البائع ومجموعة من الشباب في طريق عودة اليهود، ولعلّة لم يأت اليهود من ذلك الطريق، بل سلكوا طريقا يؤدّي إلى مدينة غزّة فنجوا إلى وقت معلوم، ولم يزعج هذا الأمر المجاهدين فكلّ شيء مقدّر، وأصبح الطيّارة والبائع مطاردين مطلوبين لقوّات الاحتلال، وهاجم الجيش بيت الطيّارة مرّتين في الأسبوع التالي للعملية بحثا عنه، وفي المرّة الثالثة قاموا بنسف البيت فتصدّعت بيوت كثيرة مجاورة، ورأى الطيّارة بيته المدمّر في زيارة خاطفة، وواسى زوجته التي انتقلت وأولادها إلى بيت أهلها، ووعدها ببيت أفضل بمشيئة الله، وأوصاها أن تسكن هي وأولادها في بيت أبيه إذا استشهد، كما أعاد تذكيرها بالعناية بالأولاد ليتابعوا عمليّة الجهاد لتحرير فلسطين، وودّعها وودّع وأولاده وغادرهم بسرعة.
     

    كان "البائع المتجوّل" يأتي إلى الطيّارة حتّى يقتنع اليهود الذين يراقبونه بجدّيّته في "التعاون"، وكان مجال عمله بين منطقتي ’’الجندي المجهول والساحة‘‘، فهو الذي تخصّص في مراقبة سلمون في غزّة بعد معرفة نشاطه، وكلّ يوم كان يمرّ بالمحلاّت كلّها في شارع عمر المختار، يعرض على الناس ما يحمله، وكان يدخل المحلاّت التي يجيء إليها سلمون لعلّ أحدا يشتري منه، وعندما رجع الطيّارة صار يرتاح عنده ليشرب الشاي وهما يتجاذبان أطراف الحديث، وبعد زيارتين أو ثلاث "أصبحا صديقين"، فكان البائع يحدّث الطيّارة بما "يسمع من أخبار" تتعلّق بقتل سلمون في الطريق هنا وهناك، وكان الطيّارة يبلغ المعلومات التي يسمعها للضابط صاحب المطعم، وكانت هي الفخّ الذي أدّى إلى اقتناص عدد من اليهود عند محاصرة مكان الخليّة الموهومة في معسكر جباليا، أمّا البائع فقد كان هو أبو كاملة صديق الطيّارة ورفيقه في الجهاد، جاء ليعطي الطيّارة "الطعم" ليعطيه بدوره صاحب المطعم.
     

     عرف عن اليهود –إضافة إلى غدرهم- عدم الاطمئنان إلى المسلمين، ولديهم أمثال كثيرة تحذّر من التعامل مع المسلم، ومن ذلك قولهم: "لا تأمن للمسلم ولو مضى على موته أربعون سنة"! وعليه فإنّهم لا يطمئنّون للمسلم الحيّ ولو كان عميلا لهم كالطيّارة، ولذلك فقد زرعوا –في أحد أيّام منع التجوّل- جهازا للتنصّت على الطيّارة في بسطة الشاي، وهو جهاز صغير جدّا يرسل لليهود محادثات الطيّارة مع زبائنه مباشرة، وقد اكتشفه أصحابه بوسائلهم الخاصّة، فأوعزوا للطيّارة أن يمشي مع البائع بضعة أمتار بعيدا عن البسطة –وكأنّه يودّعه- في نهاية كلّ زيارة، ليكون هناك مجال لإعطاء الطيّارة معلومات زائده عن التي ينقلها الجهاز، أي أنّهم أرادوا للطيّارة أن "ينوّع" مصادر معلوماته، فكان ينقل لصاحب المطعم ما يقوله البائع على البسطة كاملا، ثمّ يضيف إليه ما سمعه وهما يمشيان، وما يقوله له أصحابه، وكان صاحب المطعم معجبا بعمل الجاسوس المتقن!


     ( 38 )
      قال الولد لجدّه:
-       اقتربت الانتخابات يا جدّي ويجب أن تسجّل اسمك في المدرسة!
فضحك الجدّ وقال ممازحا الولد:
-       ولماذا المدرسة؟ هل سأرجع للدراسة الآن!
-       لا يا جدّي ليس للدراسة، تسجّل لتنتخب!
-       طيّب، وهل ستنتخب جدّتك؟
-       نعم، ستنتخب.
-       وأمّك أيضا؟
-       كلّ واحد يحمل هويّة يحقّ له أن ينتخب!

     وذهب الولد مع جدّه إلى مقرّ لجنة الانتخابات في المدرسة القريبة، فسجّل أسماء جدّه وجدّته وأمّه في سجلّ الناخبين استعدادا لليوم "الخامس والعشرين" من أوّل شهور عام ألفين وستّة، ذلك اليوم التاريخيّ في حياة الشعب الفلسطينيّ، وفي طريق العودة قال الولد والفرحة تغمره:
-       أرأيت يا جدّي كيف تحرّرنا بعد انسحاب اليهود!
-       أي والله يا ولدي، صرنا نشمّ الهواء!
-       تحرير أرضنا حلو يا جدّي!
-       صحيح حلو، لكنّها حلاوة غير كاملة!
-       ستكتمل يا جدّي بإذن الله.
-       إن شاء الله تكتمل بكم يا ولدي، ماذا نريد غير هذا!
-       غدا سأعجبك وأرفع رأسك يا جدّي!
-       "طالع" لجدّك وأبيك رحمهما الله!
-       ودوري في الانتفاضة القادمة، وإن شاء الله ستكون القاضية على اليهود.
-       أتمنّى على الله أن يحييني حتّى أشوفك أنت والشباب وقد حرّرتم القدس.
-       الله يعطيك الصحّة وطول العمر، وتفرح بابنك الولد!
-       الله يرضى عليك ويحميك أنت وأمثالك.
-       أنا أنتظر فرج ربّنا.
-       ستفرج يا ولدي، ستفرج إن شاء الله.
-       الله يطوّل لي عمرك يا جدّي.
-       الله يبارك فيك ويخلّيك لأمّك.
-       وللوطن والقدس!
-       وللوطن والقدس إن شاء الله!
-       ادع لي أن أوفّق في خدمة الإسلام يا جدّي!
-       الله يوفّقك ويحقّق لك كلّ ما في نفسك.
-       آمين يا ربّ العالمين.
     

     وسرح الجدّ ببصره إلى المستقبل، فرأى الماضي يخرج له لسانه، وقد قام يحول بينه وبين رؤية المستقبل، كان الجدّ يريد أن يرى فلسطين محرّرة والأقصى نظيفا من دنس اليهود، وكان يودّ أن يرى ابنه الولد وقد أصبح من الذين حرّروا فلسطين والأقصى، ولكنّ الماضي الحزين لم يترك له مجالا للفرحة، فانكفأ على نفسه وهو ينظر في الماضي المستمرّ، وراودته مخاوف كثيرة من طغيان هذا الماضي على المستقبل بصورة أو بأخرى، وتفكّر في انسحاب اليهود وعواقبه، وتساءل كثيرا: "هل انسحب اليهود مضطرين أم أنّ لديهم هدفا بعيدا لا يدريه أبناء القطاع الذين أطلقوا الرصاص ابتهاجا بالانسحاب"؟
     

     نظر الجدّ إلى الماضي القابع أمامه، فرأى في وجهه دماء وقتلى ورصاصات وجرحى، ورأى يوم الرحيل والهجرة، فقال: "رحيل برحيل والطائرات نفسها"!
     

     حاول الجدّ أن يستشرف المستقبل ثانية لعلّه يرى ما يريحه، ولم ينجح هذه المرّة أيضا، فتحامل على نفسه وقد هدّته الأحداث فجأة، وقام إلى الخزانة وأخرج منها علبة صغيرة وأعطاها لابنه الولد وهو يوصيه بمناسبة انتهاء عامه الخامس عشر، وقال له: عمرك اليوم يا ولدي خمسة عشر قرنا كاملة، حافظ على هذا العمر الطيّب، واستثمره في خدمة الإسلام والمسلمين، وفي العمل على طرد اليهود من القدس والمسجد الأقصى، ولا تحن رأسك إلاّ للخالق!
     

     كان في العلبة صورة للولد وعمره سنة ونصف، وكان يمسك ببندقيّة وهو ينظر إلى صورة المسجد الأقصى، وإلى جانبها صورة لأبيه كمال وهو في مثل عمر الولد، وكان يحمل مسدّس أبيه الطيّارة! 

     ( 39 )
     قال الراوي:
     مرّت أمام عيني الجدّ قوافل الأموات بعد أسبوع من دخول اليهود قطاع غزّة، وكانت رائحة الجثث المتعفّنة تسبق ’’عربات الكارّو‘‘ التي تحملها، كانوا يذهبون بالجثث إلى المقبرة ليعيدوا دفنها هناك، لقد تهدّمت بيوت كثيرة على أصحابها، واحترق خلق كثير بالسائل القاتم لقذائف ’’النابالم‘‘ التي كانت محرّمة قبل استعمالها ضدّ الفلسطينيّين وبعد ذلك، وقتل كثيرون بالرصاص عندما كانوا يحملون جرحاهم لعيادة المعسكر، وقد رأى صديقه ’’محمّد الزدودي‘‘ يحمل ابنه فيقتلهما الجنود بالقرب من باب العيادة، رآهما وهو ينظر من ثقب بباب بيتهم المطلّ على الشارع، فقد سمع الأب وهو يصرخ: "الولد جريح"، وكان يلوّح بقطعة قماش بيضاء فتابعه ببصره، ورأى الجنود يقتلونهما بدم بارد، ولم يكن ممكنا دفن الأموات خوفا من بطش اليهود.
     

     بكى الجدّ لما لحق الناس من ذلّ وهوان على يد أذلّ الناس وأهونهم، ليجبروا الشباب على ترك الوطن والهروب خوفا من الاعتقال والبطش والتعذيب، لقد رأى حشود الشباب تتجمّع أمام مركز الشرطة في المعسكر، وكلّ منهم يريد أن يسجّل اسمه ليغادر القطاع وينجو بنفسه، ولقد أتاح لهم اليهود هذه الهجرة بما بثّوه من الخوف والرعب بأعمالهم منذ دخولهم في الأسبوع الماضي، وما زال يذكر ابن أخيه وابن خالته اللذين فرحا عندما سمعا اسميهما مع مجموعة من أبناء الجيران، وتذكّر كيف أخبره ابن أخيه بعد مدّة أنّ اليهود حملوهم في شاحنة أحد سكّان المعسكر، و"رموهم" على شاطئ نهر الأردن وأطلقوا الرصاص باتّجاههم، فخوّضوا في مياه النهر طالبين النجاة في الأردنّ، حيث أسكنوا في معسكرات لا يصلح أكثرها للعيش، وقد جاءت بذلك الأخبار التي تيسّرت للناس بعد ذلك الوقت بفترة طويلة.
     

     أخذ اليهود كثيرا من الرجال بين سنّ الثامنة عشرة والأربعين، فقد كانوا في بداية احتلالهم قطاع غزّةيجمعون الرجال في الساحات أو في المدارس، ثمّ ينتقون عددا منهم ويطلبون منهم المرور أمام عربة يجلس فيها شخص ’’مقنّع‘‘، وكان هذا المقنّع يشير إلى بعض الرجال فيأخذهم الجيش، وبلغ عددهم بضعة آلاف شابّ من أبناء القطاع، ذهب اليهود ببعضهم إلى معتقلات في صحراء سيناء، وبعضهم إلى سجون في صحراء النقب أو في شمال البلاد، وذاق الفلسطينيّون في هذه المعتقلات والسجون صنوفا من التعذيب أعانهم الله على تحمّلها، ولكنّ أكثر هؤلاء المساكين ألقى بهم اليهود إلى مصر عبر قناة السويس، فأسكنتهم الحكومة المصريّة في ’’مديريّة التحرير‘‘ التي كنت حديثة الإنشاء، وظلّ أهلهم مدّة طويلة في حالة من الترقّب والخوف وانشغال البال وهم لا يعلمون مكانهم، إلى أن وصلت أخبارهم عبر الرسائل التي كانت تذاع من ’’إذاعة فلسطين‘‘ في القاهرة، "وكلّ من يسمع هذه الرسالة يبلغها إلى أهلها مشكورا"، وقد عاد قليل منهم إلى القطاع بعد مفاوضات طويلة بين المصريّين واليهود، فكانوا يحدّثون الأهل والأصحاب بما صادفهم من صعوبات.
     

     أراد اليهود من إبعاد الرجال متابعة سياسة ’’تفريغ البلاد من سكّانها‘‘، وهي سياسة اتّبعوها منذ جاءوا إلى فلسطين مع سكّانها الأصليّين، واشتدّت في الأربعينيّات فكانت ’’الهجرة‘‘ عام ثمانية وأربعين، وقد مارسوا عمليّات البطش والتخويف والإرهاب منذ اليوم الأوّل لاحتلال القطاع، وعملوا على تهجير عدد غير قليل من العائلات إلى الضفّة الغربيّة، وشجّعوا كثيرا من الشباب على السفر إلى الأردنّ، وكانوا يحملونهم بالمجّان ليوصلوهم إلى جسر الملك حسين، كما كانوا يدفعون لهم مبلغا قليلا من المال في محاولة لإغرائهم بالسفر، وبعد إبعاد عدد كبير من السكّان قاموا بعمليّة إحصاء لمن بقي، وأصبح كلّ من لم يسجّل اسمه في دواوين الإحصاء ’’نازحا‘‘، أي غريبا عن وطنه وداره وأهله في ’’قانون‘‘ اليهود، سواء في ذلك من كان خارج القطاع قبل الاحتلال ومن أخرج بعده، فإنّ من غاب عن بيته يوم الإحصاء لم يكن أهلا ليحسب مواطنا في نظر اليهود، وطال هذا الظلم عددا لا بأس به من الطلاّب الذين كانوا يدرسون في مصر وغيرها، فقاسوا كثيرا من شظف العيش لعدم وجود مورد رزق لمعظمهم خارج القطاع.
     

     غامت عينا الجدّ وهو يرى مجموعة من الأطفال يتلقّفون الحلوى التي يلقيها إليهم بعض أفراد الجيش، فيأكلونها ثمّ يتلوّون من الآلام التي تقطّع أمعاءهم، لقد كان اليهود يلقون للأطفال الصغار حلوى مسمومة، كانوا يحاربون كلّ السكّان ويريدون أن يتخلّصوا منهم بأي وسيلة كانت، بكى الجدّ وفي لحظة غرقت عيناه في الدم الأحمر وقد بدأ يسيل من أجساد الأطفال الذين تجمهروا حول دمية صغيرة، رماها لهم اليهود على بعد أمتار من مجموعات الشباب الذين وقفوا في انتظار دورهم لمغادرة القطاع، فانفجرت وتناثرت أشلاء الأطفال الصغار الأبرياء في المكان، واختلطت أشلاؤهم بقطع الحلوى المسمومة.

     ( 40 )
     قال الراوي:
     بعد هذه الجروح تذكّر الجدّ بيتهم الذي كان قريبا من السوق والمسجد ومركز توزيع المؤن والعيادة، كما كان قريبا من مركز الشرطة الذي استولى عليه الجيش والشرطة، كان البيت في موقع جيّد في وسط المعسكر بجوار هذه المرافق، ولكنّ اليهود أبوا عليهم البقاء في هذا المكان القريب، فنسفوا بيتهم وبيت أخيه ومجموعة من بيوت الجيران بعد إلقاء عدد من القنابل على المركز، وأسكنوهم في بيوت بنيت لهم في ساحة مدرسة الفالوجا الثانوية التي درس فيها الطيّارة، على أنّ هذا البيت الجديد لم يسلم من غدر اليهود، فقد هدموه والبيوت المجاورة له بعد سنة واحدة في ’’توسيع الشارع‘‘! وقد طال توسيع الشوارع في ’’خطّة شارون الأمنيّة‘‘ مئات البيوت في القطاع، وتشتّت معظم أهلها بين العريش وغزّة، وبقي قليل منهم في المعسكر حيث استطاعوا أن يجدوا بيوتا اشتروها أو استأجروها.
     

     أبعد اليهود أسرة ’’أبو علي‘‘ أخي الجدّ، وكذلك أسرة صديقه أبو أحمد السوافيري، ومئات الأسر إلى ’’العريش‘‘ في سيناء المصريّة، وما عرف الناس ذلك إلاّ عندما وقفت الشاحنات التي حملتهم وأغراضهم، وسألوا السائقين عن المكان فأشاروا إلى ’’المساكن الشعبيّة‘‘ التي وقفوا أمامها، وكانت بنايات ذوات طوابق خمسة، كان نصيب أسرة أبو علي منها شقّة في الطابق الثالث، وتعجّب كبار السنّ من المكان وكيفيّة العيش فيه، وهم الذين عاشوا حياتهم كلّها على الأرض، وطلب اليهود الرجال وجعلوهم يوقّعون على أوراق كثيرة، وأعطوا كلّ أسرة مبلغ مائتين وخمسين" ليرة إسرائيليّة"، أي حوالي خمسين دولارا أمريكيّا، هي قيمة تعويضهم عن بيتهم في المعسكر!
     

     لم يستطع أبو علي كبير السنّ أن يعيش في شقّة عالية، وكانت زوجته كثيرا ما تحاول أن تفتح باب شقّة غير شقّتهم، وكان الجيران يضحكون في كلّ مرّة يحدث فيها مثل هذا الخطأ ويواسي بعضهم بعضا، فمعظمهم كان يخطئ في معرفة شقّته لتشابه الشقق، وكانوا يتندّرون مع صاحب العنزتين وصاحب الحمار، فقد عانت الأسرتان من تسكين الحيوانات في الشقّة، وقد أجبرت العنزتان على صعود الدرج للطابق الخامس، أمّا الحمار "فركب رأسه ولم يطلع الدرج" في البيئة الجديدة، وبعد يومين بيعت الحيوانات وارتاح أصحابها من "وجع الراس".
     

     بعد أيّام قليلة طالبت الأسر جميعها بتغيير السكن الجديد لعدم قدرة الناس على صعود الدرج مرّات في اليوم، ولم يستجب أحد لمطالبهم ببيوت أرضيّة مثل الأسر التي جاءت بعدهم، فرجع كثير منهم إلى القطاع "وكلّ واحد دبّر نفسه عند قريبه"، وتذكّر أبو حسن كيف عاد أخوه بمبادرة منه وسكن وأسرته في رفح عند قريبة لهم، وبعد سنوات أعيد معظم الذين ظلّوا في العريش إلى القطاع، وقد أوجدت لهم دائرة الإسكان قطعة أرض خالية في خانيونس وزّعت على الأسر، وقد سمّي المكان الجديد باسم: "حيّ الأمل"، بأمل أن يجد فيه هؤلاء المهجّرون العائدون إلى قطاع غزّة بعض الراحة! أمّا الذين رجعوا "على كيفهم" كأسرة أبو علي عمّ الطيّارة فقد ضاع حقّهم في قطعة أرض صغيرة يبنون عليها بيتا لهم.

     ( 41 )
     تنهّد الجدّ إذ مرّت به هذه الذكريات المؤلمة وهو ينتظر يوم الانتخابات، فنادى الولد وحكى له ذكرياته وهو يوصيه باسترجاع كلّ فلسطين وتحريرها من رجس اليهود، فطمأن الولد جدّه إلى ما يريد، وقال له:
-       سترفع رأسك وتفتخر بابنك يا جدّي!
-        إن شاء الله.
-       ادع لي جدّي، أنا أتفاءل بدعواتك.
-       الله يحقّق لك كلّ أمنياتك.
-       الله يحفظك ويعطيك الصحّة.
-       كم بقي للانتخابات؟
-        أربعة أيّام يا جدّي.
-       الله يجعل فيها الخير.
-       خيرا يا جدّي؟
-       أراهم يضمرون الشرّ.
-       لا تهتمّ يا جدّي، نحن منتبهون لهم، وربّنا معنا.
-       الله يولّي الصالح.
-       إن شاء الله يا جدّي.
-       غدا سنرى الذين "خرّبوا البلد" ماذا سيعملون.
-       الناس أصبحوا واعين يا جدّي!
-       أي والله، الناس عرفوا الحقّ، عشنا  أحد عشر عاما ونحن نتراجع.
-       وجاء اليوم الذي تتغيّر فيه الحال وتنصلح.
-       إن شاء الله.
-       من ستنتخب يا جدّي؟
-       ومن يعني، من تنتخبه جدّتك سأنتخبه!
-       جدّتي تقول: "الأخضر يكسب"!
-       إن شاء الله سيكسبون، لعلّ الوضع ينصلح.
-       جارنا طلب الشاحن خوف انقطاع الكهرباء.
-       أعطه، من المحتمل أن يفعلوها، مثل انتخابات البلديّة!
-       وسأعطيه الكشّاف أيضا.
-       أعطه حتّى لا تبقى فرصة للحراميّة واللصوص.
-       الشباب جاهزون يا جدّي!
-       الله يقوّيهم ويحميهم ويسدّد إلى الخير خطاهم.
-       آمين يا رب، لكن يلزمك طاقيّة خضراء.
-       عندي، أحضرها زوج خالتك.
-       وأنا أحضرت ثنتين أيضا.
-       أعط جدّتك واحدة.
-       واحدة لجدّتي وواحدة لأمّي.
-       طيّب، وأنت؟
-       سأحضرها غدا إن شاء الله يا جدّي.
-       الله يرضى عليك.
-       وسآتيك إن شاء الله بوشاح أخضر.
-       بارك الله فيك، شكرا.
     

     قال الراوي:
     أخذت استطلاعات الرأي الكثيرة توحي بتقارب بين السلطة –ممثّلة في حركة فتح- وبين حركة حماس، وكانت تميل إلى أن السلطة هي المتقدّمة وأن الحكومة ستظلّ بيدها، ولكنّ نتيجة الانتخابات فاقت كلّ ما كان متوقّعا لها، لقد جاءت هذه النتيجة بفوز ساحق لحركة حماس، فتسارعت أحداث كثيرة أريد لها أن تسابق الزمن لإضعاف الناجحين، وبدأت سهام المضايقات توجّه إلى الفائزين بثقة الناس، وانعقد المجلس التشريعي وسط تهديدات وتلويحات وتحذيرات كثيرة، من أشخاص ومؤسّسات في الداخل والخارج كثيرة، وشاركت في هذه الحملة الشرسة دول كثيرة، وكلّهم يحاول الاصطياد في الماء العكر، وقد طفا حقدهم الدفين على سطح تفكيرهم وطغى على تصرّفاتهم، يجمعهم القصد المشترك لخدمة أسيادهم اليهود، ونسي "المسلمون" دينهم وساعدوا يهود، وشطب العرب هويّتهم العربيّة وساعدوا يهود، وتناسى "دعاة الديمقراطيّة" ديمقراطيّتهم إرضاء ليهود...
     

     وأُعلنت الحكومة وكانت كما أراد الشعب الفلسطينيّ، وقد تقاعس من شارك في الانتخابات ومن لم يشارك فيها عن المشاركة في الحكومة، في خطوات شيطانيّة مدروسة لمحاولة إسقاطها، واستمرّت المضايقات والحصار في كلّ مجالات الحياة، وطالت لقمة الخبز التي أصبح الحصول عليها فوزا أكبر من فوز حماس عند بعض الناس، وبدأ الذين يأكلون البسكويت والشوكولاتة ينظّمون مظاهرات للمطالبة بالخبز، وصار الذين لم يتسلّموا رواتبهم يطلقون زخّات الرصاص لإسماع صوتهم للحكومة، ناسين أن ثمن الرصاص الذي أطلقوه –وسيطلقونه في مرّات قادمة- يطعمهم ويطعم فقراء شعبنا المسكين، وكانت كلّها استفزازات ليس لها طعم تريد زعزعة ثقة الشعب بحكومته التي اختارها وأحبّها، ]وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِـِرينَ[ [الأنفال:30].

     ( 42 )
     قال الراوي:
     حكى الجدّ للولد عن قصّة مطاردة اليهود لأبيه كمال بعد سبعة أشهر من زواجه، وقد أصبح مطاردا بعد أن قتل ثلاثة منهم يوم جاءوا ليقبضوا عليه مع صديق له وأفلتا منهم، وقد جاءوا كثيرا فيما بعد لزوجته يسألونها عنه، وكم هدّدوها بالسجن إن لم يسلّم نفسه، ومرّة أرادوا أن يأخذوها معهم فأخبرتهم أنّها حامل "وسترفع عليهم قضيّة إذا أسقطت" فتركوها، ثمّ سألوها عن بيت أبو كمال فقالت "إنّه يسكن في الجنّة"!
     

     كان كمال مع المجاهدين الذين يقاومون المحتلّين في غزّة والمعسكر، لكنّه كان يعمل في الأرض المحتلّة عام ثمانية وأربعين وتسعمائة وألف’’لحسابه الخاصّ‘‘، وكانت أعماله تقضّ مضاجع اليهود لأنّهم لم يعرفوا منفّذها، وقد أخذ يباعد بين مناطق العمل زيادة في الحيطة، فلم يترك لليهود مجالا لمعرفة وجهته التالية، كان يحلو له العمل في أوقات عودة الجنود إلى بيوتهم، فيمرّ بالسيّارة "صدفة" من أمام محطّة الركاب القريبة "دائما" من مقارّ الوحدات العسكرية، وكان يتوخّى أوّل وقت خروج الجنود فإنّ عددهم حينئذ يكون قليلا، وعندما يشير بعض الجنود إليه يسألهم عن وجهتهم، وينتقي المناسب منهم لتنفيذ مهمّته، فيحمله ثمّ يسأله عن عمله وعمّا إذا خدم في غزّة أو الضفّة، كان يهدف من أسئلته إلى معرفة تلطّخ يد العسكريّ بدم فلسطينيّ أو نظافته، فمن يتبجّح بقتل الفلسطينيّين يقتله ويرميه على الطريق ويعود إلى عمله، و"النظيف" منهم يوصله بيت بأمان ويودّعه ضاحكا، وكان الجنود والضبّاط الذين يصرّح لهم عن نيّته قتلهم يصابون بالهلع قبل الموت، وحمل في إحدى المرّات ضابطا برتبة عقيد "عملها على روحه" عندما عرف أنّه مقتول.
     

     ظلّ الفدائيّ البطل –ولمدّة ثلاث سنوات- يتنكّر في صورة يهوديّ، يساعده شعره الأشقر ولون بشرته، وإتقانه اللّهجة العبريّة التي تعلّمها وهو يعمل لكسب لقمة العيش، وكان يرتدي ملابس اليهود، فيكون مرّة جنديّا ومرّة حاخاما له "سوالف طويلة"، ومرّة ثالثة تكون له صورة شاب من شبابهم العابث، وهكذا ظلّ رصيده من العسكريّين القتلى يزداد، ويزداد معه حرص اليهود على القبض عليه وهم لا يعرفونه، ممّا يزيد في خوفهم وغيظهم وحقدهم عليه، كان عمل كمال في الوطن المحتلّ قد أفاده في معرفة دروب الوطن وطرقه، وفي معرفة معسكرات الجيش ومقارّ الوحدات العسكريّة، وعرف أوقات مغادرة الجنود إلى بيوتهم والعودة إلى وحداتهم، وكان يحفظ شوارع الوطن وأكثر دروبه، وقد وظّف هذه المعرفة في عمليات اصطياد اليهود، كما كان يرسم لأصحابه خرائط واضحة ودقيقة، انتفعوا بها في عمليّات كثيرة نفّذوها داخل فلسطين!
     

     وشى بكمال شخص كان عميلا للشيطان وقد تظاهر للناس بالصلاح، وشى به لليهود وكانوا يطلبونه لأنّه قتل ثلاثة عشر يهوديّا من العسكريّين، فجاءت قوّات كبيرة وحاصرت بيتا دلّهم عليه العميل في منطقة الشجاعيّة شرق غزّة، حيث كان فيه كمال وعدد من أصحابه المجاهدين، وطلب الجيش من كمال أن يسلّم نفسه ويخرج دون سلاح خلال خمس دقائق أو يدمّروا البيت عليه، فأمر كمال أصحابه أن ينسحبوا عن طريق سطح البيت والسطوح المجاورة، وقام بمشاغلة الجيش ببعض الطلقات لتغطية انسحابهم، وبعد أن اطمأنّ كمال إلى سلامة أصحابه بدأ يصلي اليهود بالقنابل والرصاص، فقتل منهم أكثر من خمسة جنود وضابطين كبيرين، فنسف اليهود البيت حتّى يستطيعوا أن ينجوا منه، والتفّ أصحابه -الذين غطّى انسحابهم- على اليهود وباغتوهم بنيرانهم وأخذوا بثأر أخيهم كمال، حيث قتلوا عددا من جنود المراقبة والحماية الذين دهشوا من تطوّر الأحداث، وانسحب المجاهدون قبل أن يتمكّن اليهود المذعورون من الردّ عليهم.
     

     استشهد كمال وكان له عرس كبير في معسكر جباليا، وزيّنت صوره معظم الشوارع، وخرج في جنازته كثير من أبناء القطاع، وهنّأ الناس الجدّ وأمّ كمال وزوجته، ونسف اليهود بيت كمال كما نسفوا بيت أبيه الطيّارة من قبل، فذهبت زوجته الحامل إلى بيت عمّها أبو حسن، وبعد خمسة أشهر كان الولد اليتيم ابن الشهيد يصرخ وهو يستقبل الحياة في بيت الجدّ، وكأنّه كان يستعجل سماع قصص المعاناة والبطولة، ليتزوّد بها في جهاده ضدّ المحتلّين الغاصبين، وكأنّه كان يوقّع بصوته عهدا بمتابعة خطوات أبيه وجدّه.

     


     ( 43 )
     فرحت أمّ صبحة عندما جاءها الجدّ يعرض عليها رغبته في خطبة ابنتها صبحة لابنه الولد، لأنّه كان يريد أن "يطمئنّ على الولد قبل أن يموت"، ورحّبت كثيرا بأن يجمع بينهما الزواج كما جمع بينهما العمل الفدائيّ والمقاومة، وقالت:
-   أنا وصبحة وأبوها أولادك يا حاجّ، الله يعطيك الصحة وطول العمر، وستفرح بهم وتشوف أولادهم إن شاء الله!
     
     سرّ الجدّ بموافقة الأمّ فشكرها، وقام ليعرض طلبه صبحة للولد على جدّها لأمّها، ثمّ ذهب الجدّان إلى أبو صبحة، حيث عرض جدّ صبحة رغبتهم في طلب صبحة زوجة للولد وطلب رأي الأب، فقال وهو يبتسم:
-       البنت بنتكم، ولا يحقّ لي أن أتكلّم أمامكم، وجدّها أولى منّي!
-       أنت أبوها، وأنت صاحب الرأي.
-       ليس لي رأي والكبار موجودون، الله يعطيكم الصحّة.
-       البركة فيك والأصول واجب.
-       هي ابنتكم وهو ابنكم، وما تريدونه سيكون بإذن الله.
-       نريد أن نسمع الموافقة والقبول!
-   طيّب، أنا أرى أنّ الولد والبنت متفاهمان، وكلّ منهما يناسب الآخر، ولا أحد منّا يستطيع أن يفرّق بينهما، وأنا عليّ أن أوصلها إلى باب البيت، الله يبارك لهما في حياتهما ويسعدهما، وما ينقص فأنا مستعد أن أقدّمه لهما، مهما يكن.
-       بارك الله فيك وفي أمثالك، والله ما قصّرت يا أبو صبحة!
-       على بركة الله، ولكن اتركوا لي أن أبشّر الولد!
-       كفّيت ووفّيت، الله يخلف عليك بالخير.
-       بارك الله فيكم، وحيّاكم الله.
-       الله يحيّيك ويحيّي أصلك، السلام عليكم.
-       مع السلامة، سهّل الله طريقكم.
     
     
     ترك الجدّان لأبو صبحة أن يخبر الولد بما تمّ الاتّفاق عليه، فهما يعلمان مقدار حبّه للولد وحبّه لأبيه رحمه الله، لقد كان أبو عزيز وأبو صبحة رفيقين لا يكاد أحدهما يصبر على بعد صاحبه، كانا قد درسا معا في المدرسة كما عملا معا في مقاومة اليهود، وقد أسّسا معا جماعة تتابع اليهود الذين يأتون إلى غزّة، وكان لهذه الجماعة الفضل بعد الله في كشف كثير من المتورّطين مع اليهود وردعهم، كما أعادوا بعضهم إلى جادّة الصواب وساعدوهم في إثبات توبتهم، وقبضوا مرّة على يهوديّ متنكّر كان يريد مهاجمة الناس في سوق فراس بغزّة.
     

     لم يحضر الجدّ عرس ابنه الولد، فقد توفّي بعد الخطبة بأيّام، لقد آثر أن يترك هذا العرس لأصحابه، أمّا الولد فقد حزن كثيرا على فراق جدّه، وكانت جدّته وأمّه تحثّانه على الصبر والتحمّل، وتشجّعانه على الوقوف مكان جدّه، وأن يمضي في طريقه وطريق آبائه لا يلوي على شيء، وأقسم الولد أن يكون نعم الرجل الذي يرفع رأس أمّته عاليا، ونوى أن يعرّف الناس يوم زفافه أنّه سيواصل خطوات أبيه وجدّه في محاربة اليهود، ودحر الأعداء، وتحرير القدس بإذن الله.
     

وهنــا
انتهت حكاية
الولد الفلسطينيّ









[ هـذه يا أولادي حكاية شعبنا
وحكاية أولاده كبارا وصغارا ]




كما رواها الراوي
وكتبها لكم
محمود عبد المالك عيد